الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
182
نفحات القرآن
وهنا يطرح السؤال الثاني نفسه وهو : إن كان هذا القسم موجّه للمؤمنين فلا داعي له هنا ، وإن كان موجه للمنكرين فكيف يقسم بما لا يؤمنون به ؟ ! وللتخلص من هذه المعضلة قدّر بعض المفسرين كلمة « ربّ » وقالوا إنّ التقدير هو اقسم بربّ القيامة بأنّ القيامة واقعة « 1 » . واحتمل أيضاً أنّ هذا القسم جاء تأكيداً للذين يؤمنون بأصل يوم القيامة إلّاأنّهم يشككون في تفاصيلها ، فالقرآن يقسم بأصل يوم القيامة لإثبات التفاصيل التي وردت بعد القسم في الآية . وهناك تفسير آخر يحتمل أن يكون أفضل من التفسيرين السابقين ، وهو : إنّ القرآن أشار بذلك إلى أنّ الاعتقاد بيوم القيامة بلغ من البداهة حداً كبيراً حتى أنّه يُقسم به في مقابل المعاندين ، وبتعبير آخر أنّه استعان بفطرتهم على دحض آرائهم . وأمّا بالنسبة ل « النفس اللوامة » فللمفسرين أقوال كثيرة فيها حتى نقل أحدهم ستة تفسيرات لها ، منها : إنّها للدلالة على النفس المؤمنة التي تلوم نفسها حين التقصير . ومنها : أنّها للدلالة على النفس الكافرة التي تلوم نفسها يوم القيامة عندما تشاهد أعمالها . ومنها : أنّها ذات مفهوم أشمل من المؤمن والكافر . ومنها : أنّها إشارة إلى آدم عليه السلام بعد طرده من الجنّة . لكنّ المناسب للمقام ووجود القسم الدال على السموّ ، والشرف للاقتران بيوم القيامة هو أنّ النفس اللوامة هي نفوس المؤمنين الذين لم يبلغوا بعد حدّ الكمال . توضيح ذلك : إنّالنفوس الإنسانية على ثلاثة أنواع : فنوع من النفوس « مظلمة » لا ترى قيمة للقسم ولا تبدو عليها آثار السير نحو الكمال ولا التنبيه من الغفلة ولا تحمل شيئاً من آثار يوم القيامة ، فهؤلاء هم أصحاب « النفوس الأمارة » النفوس التي تأمرهم دوماً بالإساءة واقتراف الخطايا . وهناك نفوس أخرى « نصف نورانية » تسير نحو الكمال على منهج الحق ، وهذه النفوس
--> ( 1 ) تفسير الكبير ، ج 30 ، ص 216 .